صديق الحسيني القنوجي البخاري
74
فتح البيان في مقاصد القرآن
فيه أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أي بأن تكون جماعة أو لأجل وجدانكم أم هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ جماعة أي أكثر عددا منها وأوفر مالا ، يقال ربى الشيء يربو إذ كثر ، قال الفراء : المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتهم وقد عززتموهم بالإيمان قيل وقد كانت قريش إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم قاله مجاهد : وقيل هو تحذير للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة أموالهم فينقضوا بيعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي يختبركم بكونكم أكثر وأوفر لينظر هل تتمسكون بحبل الوفاء أم تنقضون اغترارا بالكثرة ، فالضمير في به راجع إلى مضمون الجملة المتقدمة ، أي إنما يبلوكم اللّه بتلك الكثرة ليعلم ما تصنعون أو إنما يبلوكم اللّه بما يأمركم وينهاكم . وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فيوضح الحق والمحقين ويرفع درجاتهم ويبيّن الباطل والمبطلين فينزل بهم من العذاب ما يستحقونه أو يبينّ لكم ما كنتم تختلفون فيه من البعث والجنة والنار وفي هذا إنذار وتحذير من مخالفة الحق والركون إلى الباطل . ثم بيّن سبحانه إنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء أو على الإيمان فقال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً متفقة على الحق وَلكِنْ بحكم الإلهية يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ بخذلانه إياهم عدلا منه فيهم وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بتوفيقه إياهم فضلا منه عليهم لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ولهذا قال وَلَنَسْئَلَنَّ يوم القيامة سؤال تبكيت لا سؤال استفسار وتفهم وهو المنفي في غير هذه الآية عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الأعمال في الدنيا لتجازوا عليها ، واللام في ليبين وفي لنسألن هي الموطئة للقسم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 94 إلى 98 ] وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 ) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 95 ) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) ثم لما نهاهم سبحانه عن نقض مطلق الأيمان نهاهم عن نقض أيمان مخصوصة فقال وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ قال الشهاب وغيره : ولما كان اتخاذ الأيمان دخلا قيدا للمنهى عنه كان منهيا عنه ضمنا فصرح به هنا تأكيدا ومبالغة في قبح المنهى عنه .